أيقونة الجمال والغموض في عالم الطيور
المقدمة
يُعد الطاووس واحداً من أكثر الطيور إثارة للدهشة والإعجاب في العالم، فهو ليس مجرد طائر جميل، بل أيقونة ثقافية ودينية وفنية تخطت حدود موطنه الأصلي لتصبح رمزاً عالمياً للجمال والكبرياء والتجدد. يعود سر شهرة الطاووس إلى ذيله المذهل الذي يتألف من ريش طويل مبهر مزين بما يشبه العيون المتلألئة، والذي ينشره الذكر في عرض بديع خلال موسم التزاوج. لكن وراء هذا المشهد الخلاب تكمن تفاصيل بيولوجية وسلوكية معقدة، وتاريخ تطوري مثير، وعلاقة وثيقة بالإنسان امتدت عبر حضارات الهند واليونان وروما وفارس والصين والعالم الإسلامي وأوروبا. في هذا الموضوع، سنبحر في عالم الطاووس من كل جوانبه: تصنيفه العلمي، خصائصه الجسدية الفريدة، أنواعه المختلفة، بيئته وسلوكه، وغنى الرمزية الثقافية المحيطة به.
التصنيف العلمي والتطور
ينتمي الطاووس إلى فصيلة التدرجية (Phasianidae) التي تضم أيضاً الدجاج والسمان والدراج، وإلى رتبة الدجاجيات (Galliformes). هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الطاووس، اثنان منها ينتميان إلى جنس "بافو" (Pavo) وهما الطاووس الهندي (Pavo cristatus) والطاووس الأخضر (Pavo muticus)، والثالث هو طاووس الكونغو (Afropavo congensis) الذي يصنف في جنس مستقل. تُظهِر الأحافير أن أسلاف الطاووس عاشت قبل ملايين السنين في آسيا، وأن الانفصال بين النوعين الهندي والأخضر حدث منذ نحو ثلاثة ملايين سنة. طاووس الكونغو، الذي اكتُشف علمياً متأخراً عام 1936، يُعتبر النوع الوحيد من الطواويس الذي يعيش في إفريقيا ويمثل حلقة تطورية مثيرة بين التدرجيات الآسيوية والإفريقية. ورغم الفروق بين الأنواع، فإن السمة الأكثر بروزاً للطاووس هي مثنوية الشكل الجنسي الشديدة؛ فالذكر يمتلك ذلك الريش الزاهي والذيل المروحي الشهير، بينما الأنثى (الطاووسة) أصغر حجماً وريشها بني باهت يمنحها تمويهاً ممتازاً أثناء احتضان البيض.
معلومة مهمة
ذيل الطاووس ليس ذيلاً حقيقياً! ما نراه من ريش مذهل منتشر على شكل مروحة هو في الحقيقة ريش الأغطية العلوية للذيل (الردف)، بينما الذيل الحقيقي قصير وصلب ويعمل كدعامة تثبت هذا العرض الباهر. تحتاج الذكور إلى ثلاث سنوات تقريباً لاكتمال هذا الريش المبهر بالكامل.
الخصائص الجسدية
يتميز ذكر الطاووس الهندي بريش أزرق معدني لامع على الرأس والعنق والصدر، يتحول إلى درجات الأخضر والبرونزي حسب زاوية الضوء بفضل بنية الريش المجهرية التي تكسر الضوء. يمتد من ظهره ذيل هائل يُعرف خطأً بالذيل، بينما هو في الحقيقة ريش الأغطية العلوية للذيل (الردف) الذي يمكن أن يتجاوز طوله متراً ونصف، فيما الذيل الحقيقي قصير وداكن يعمل كدعامة. يحمل هذا الريش المذهل بقعاً تشبه العيون تسمى "الأوسيلاي" (ocelli)، تتألف من مركز أزرق داكن تحيط به حلقة بنية فاتحة فحلقة ذهبية، مما يعطي انطباعاً بعيون كثيرة تتأمل المشهد. في عرض التزاوج، يرفع الذكر هذا الريش وينشره في شكل مروحة هائلة تغطي كامل مجال الرؤية، ثم يهتز بهذا الريش مصدراً صوت حفيف مميز، بالإضافة إلى صرخاته العالية التي قد تكون مزعجة أحياناً. وزن الذكر البالغ يتراوح بين أربعة وستة كيلوغرامات، بينما الأنثى بين 2.5 وأربعة كيلوغرامات. الطاووس الأخضر، كما يدل اسمه، يمتاز بريش عنق وصدر يميل إلى الخضرة البرونزية مع قنزعة عمودية متراصة، وجسم أنحل. أما طاووس الكونغو فأصغر حجماً بكثير، ريشه أزرق قاتم وأخضر مع قنزعة بيضاء واضحة، وذيل الذكر أقصر بكثير ولا يشكل المروحة العملاقة كالنوعين الآسيويين، لكنه يظل جميلاً بلونه المعدني.
معلومة مهمة
الألوان القزحية ليست صبغات! الريش الأزرق والأخضر المتلألئ للطاووس لا يحتوي على صبغة زرقاء. إنه نتيجة ظاهرة "التلوين البنيوي"، حيث تعمل تراكيب مجهرية في الريش تشبه البلورات الضوئية على عكس أطوال موجية معينة من الضوء، مما ينتج عنه هذا البريق المعدني المبهر الذي يتغير حسب زاوية النظر.
أنواع الطاووس
الطاووس الهندي
أشهر الأنواع وأكثرها انتشاراً في العالم. موطنه الأصلي شبه القارة الهندية وسريلانكا، لكنه استؤنس منذ آلاف السنين ونُقل إلى حدائق النبلاء والملوك في الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا. قدرته على التأقلم جعلته يعيش في المتنزهات والمزارع حول العالم، بل وتوجد جمهرات برية متوطنة في بعض جزر المحيط الهادئ وفلوريدا. يتميز الطاووس الهندي بميل جيني إلى إنتاج طفرات لونية، مثل الطاووس الأبيض (ليس أمهق تماماً بل ذو ريش أبيض وعيون زرقاء نتيجة جين متنحٍّ) والطاووس البرونزي والأرجواني. هذه الطفرات رفعت قيمته بوصفه طائر زينة.
الطاووس الأخضر
يعيش في غابات جنوب شرق آسيا، من ميانمار وتايلاند إلى جاوة وكمبوديا وفيتنام. يختلف عن الهندي ببنيته الأطول وشكله الأنحف وألوانه الأكثر اخضراراً. وهو أقل شيوعاً بكثير في الأسر، وأكثر تطلباً من حيث الحرارة والرطوبة. الطاووس الأخضر مهدد بفقدان الموائل والصيد، وقد صُنّف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض.
طاووس الكونغو
اكتشف في غابات حوض الكونغو المطيرة في ثلاثينيات القرن العشرين، ويشكل اكتشافه مفاجأة علمية لأنه النوع الوحيد من الطواويس الذي يعيش في إفريقيا. حجمه أصغر كثيراً، ريشه متناسق الألوان بين الأزرق المخضر والأرجواني، مع عنق عارٍ أحمر عند الذكر. على عكس قريباته الآسيوية، طاووس الكونغو أحادي الزواج غالباً، ويعيش في عمق الغابات الكثيفة، مما يجعله نادر المشاهدة ومعرضاً لخطر الانقراض بسبب تدمير الغابات والصيد.
البيئة والانتشار
بيئة الطاووس الآسيوي الأصلية تمتد من أراضي الأدغال المنخفضة والغابات النفضية المفتوحة إلى ضفاف الأنهار والمناطق الزراعية. هو طائر يحب المساحات المفتوحة القريبة من الغطاء الشجري حيث يجثم ليلاً على الأغصان العالية هرباً من المفترسات. الطاووس الهندي تحديداً يتكيف بسهولة مع وجود البشر، مما ساعد على انتشاره خارج نطاقه الطبيعي. بينما الطاووس الأخضر أكثر ارتباطاً بالغابات الاستوائية والمستنقعات. طاووس الكونغو يحتاج إلى الغابات المطيرة البكر الكثيفة، حيث يتغذى على الأرض بين أوراق الشجر المتساقطة، وجوده مؤشر حيوي على صحة النظام البيئي.
الغذاء وطريقة الاقتيات
الطاووس من الطيور القارتة الانتهازية. يتكون غذاؤه من الحبوب والبذور والفواكه والبراعم الطرية، إضافة إلى الحشرات والديدان والعناكب والسحالي الصغيرة وحتى الثعابين الصغيرة. في بعض المناطق الريفية، يُحتفظ بالطواويس للمساعدة في مكافحة الأفاعي، إذ أن الطاووس يهاجم الثعابين ويقتلها بمهارة. يستخدم الطاووس بصره الحاد للبحث عن الطعام على الأرض، ويخدش التربة بقدميه القويتين للكشف عن اللافقاريات. في البرية، يقضي ساعات النهار متنقلاً في مجموعات صغيرة بحثاً عن الطعام، ويشرب من الجداول والبرك.
هل تعلم
أن الطاووس يتمتع بمناعة مدهشة ضد سموم بعض الثعابين، ويمكنه افتراس أفعى الكوبرا الصغيرة بضربات منقاره القوية ومخالبه الحادة؟ ولهذا السبب يُربى في القرى الهندية كحارس طبيعي يقلل من خطر الزواحف السامة.
السلوك والبنية الاجتماعية
الطاووس الهندي طائر اجتماعي يعيش خارج موسم التزاوج في مجموعات صغيرة غالباً ما تتكون من ذكر مهيمن وعدد من الإناث، أو قطعان عازبة من الذكور الشابة. عند حلول المساء، تطير المجموعة إلى أغصان عالية آمنة للجثوم، وقبل النوم تصدر أصواتاً عالية متقطعة لتحذير بعضها من المخاطر. الذكور البالغة تتصف بسلوك دفاعي قوي في مناطق عرضها للتزاوج، حيث يدافع كل ذكر عن منطقته "الليك" (lek) ويعرض ذيله لجذب الإناث. بينما الإناث هي من تختار الذكر بناءً على حجم ذيله وتناسق العيون وحيوية ألوانه.
عرض التزاوج المذهل
أعجوبة الطاووس الحقيقية تتجلى في عرض التزاوج. حين تصل الأنثى إلى منطقة الذكر، يدير الذكر ظهره للحظة ثم يستدير فجأة ناشراً ريش رديفه الطويل في أقل من ثانية ليصنع مروحة شبه دائرية ضخمة يصل قطرها إلى أكثر من مترين. يبقى الذكر مواجهاً الأنثى، يهتز بجسده في حركة سريعة تجعل الريش يصدر حفيفاً مميزاً، وتلمع العيون تحت الشمس. الذكر يصدر أيضاً صوتاً عميقاً منخفضاً يسمى "الدوي" (train rattle) لا يُسمع بوضوح للأذن البشرية بل تشعر به الأنثى كاهتزاز. الأبحاث أظهرت أن الأنثى تفضل الذكور ذوي عدد أكبر من البقع العينية وتناسق الألوان الأعلى، ما يعكس صحة الذكر وجودته الوراثية. ظاهرة "اختيار الأنثى" هذه هي أحد أشهر الأمثلة على الانتقاء الجنسي الذي تحدث عنه داروين، حيث يؤدي التزاوج الانتقائي إلى تضخم صفة شكلية قد تكون غير عملية للبقاء، لكنها إعلان صادق عن اللياقة.
أبحاث علمية
أثبتت دراسة شهيرة أجراها الباحث ماريون بيتري عام 1992 على الطواويس الحرة في إنجلترا، أن الذكور التي تمتلك عدداً أكبر من "العيون" في ريشها تحصل على فرص تزاوج أكبر، وأن صغار هذه الذكور تنمو بصحة أفضل وتتمتع بمعدلات بقاء أعلى. هذا يدعم نظرية "الإعلان الصادق" حيث يعمل الذيل المبهر كمؤشر حقيقي على الجودة الوراثية للذكر، فالذكر المريض أو المصاب بالطفيليات لا يستطيع إنتاج ريش بنفس الروعة.
معلومة مهمة
الأنثى تسمع الاهتزازات! أثناء العرض، يصدر الذكر أصواتاً منخفضة التردد (تحت الصوتية) لا تلتقطها الأذن البشرية، لكن ريش قنزعة الأنثى يعمل كمستقبل حساس لهذه الترددات، مما يساعدها على تقييم قوة الذكر عن بُعد قبل الاقتراب منه.
التكاثر ودورة الحياة
بعد التزاوج، تبحث الأنثى عن بقعة مخفية بين الشجيرات أو الأعشاب الطويلة لتضع بيضها. العش مجرد حفرة بسيطة مبطنة قليلاً. تضع الأنثى من 3 إلى 8 بيضات بلون بني مصفر، وتتولى حضانتها بمفردها لمدة 28 إلى 30 يوماً. بعد الفقس، تغادر الصغار العش سريعاً وتتبع أمها التي تعلمها الاقتيات وتحميها بدفء جناحيها. الذكر لا يشارك في الحضانة ولا في رعاية الصغار، وهذا شائع في الطيور ذات المثنوية الجنسية الشديدة. خلال الأسابيع الأولى، تكون الصغار مموهة بلون بني مخطط، وتنمو بسرعة. الذكور الصغار لا تكتسب ريشها المبهر إلا بعد بلوغها العام الثالث تقريباً، حيث يبدأ ظهور ذيل العرض بالتدريج.
المفترسات وطرق الدفاع
في البرية، يتعرض الطاووس لهجمات النمور والفهود والثعالب والكلاب البرية، وكذلك العقبان والبوم الكبيرة التي تخطف الصغار أو البالغين. الإناث أثناء الحضانة معرضة بشكل خاص لأن تمويهها هو خط دفاعها الرئيسي. عند الإحساس بالخطر، يطلق الطاووس نداءات تحذيرية حادة، ويطير إلى أعلى شجرة. ورغم حجمه الكبير، فالطاووس طيّار ماهر لمسافات قصيرة، قادر على الارتفاع المفاجئ العمودي تقريباً ليبلغ الأغصان العالية. في بعض الأحيان، يستخدم الذكر عرض ذيله المبهر لإخافة المفترس، مانحاً فرصة للهرب. وفي مواجهة الثعابين، الطاووس مقاتل لا يستهان به، يوجه نقرات سريعة وقوية بمخالبه ومنقاره.
عنصر الوقاية
لحماية الطواويس المستأنسة من المفترسات مثل الثعالب والكلاب الضالة، يجب تأمين أماكن مبيتها بأسوار عالية وسقف شبكي، حيث إنها تجثم على أغصان مرتفعة وتحتاج لمساحة أفقية واسعة. كما يُنصح بجمع البيض وتربيته في حاضنات آمنة بعيداً عن الحيوانات المفترسة، إلى جانب توفير ملاجئ أرضية مزروعة بالشجيرات الكثيفة للإناث كي تختبئ فيها خلال فترة الحضانة. أما في البرية، فحماية الغابات الاستوائية من القطع الجائر هي خط الوقاية الأول للحفاظ على أنواع الطاووس المهددة بالانقراض مثل الأخضر وطاووس الكونغو.
العلاقة مع البشر والاستئناس
بدأت علاقة البشر بالطاووس منذ آلاف السنين في الهند، حيث اعتبر طائراً مقدساً ومحمياً في المعابد. نقله الفينيقيون والفرس إلى الشرق الأوسط، وأدخله الإسكندر الأكبر إلى اليونان ومنها إلى روما، حيث أصبح طائر النبلاء والأباطرة، ورمزاً للثروة والخلود. في العصور الوسطى، زُيّنت موائد الملوك الأوروبيين بالطاووس المشوي الذي يعاد ريشه إليه في عرض فخم. أما التربية الحديثة فجعلت الطاووس الهندي طائر زينة شائعاً في الحدائق العامة والمزارع الخاصة في جميع القارات، باستثناء القارة القطبية الجنوبية. سهولة إطعامه وعدم خوفه من البشر جعلته يتأقلم مع البيئات شبه الحضرية. ومع ذلك، في بعض المناطق، تحول الطاووس إلى آفة بسبب صراخه الليلي المزعج وتخريبه للمزروعات.
الطاووس في الثقافة والأسطورة
الهندوسية
يحتل الطاووس مكانة سامية في الميثولوجيا الهندية. إذ يُعتبر مركبة الإله "كارثيكيا" (Skanda) إله الحرب. ويرتبط بالإله "ساراسواتي" إلهة المعرفة والموسيقى، وكذلك بالإله "إندرا" الذي منح الطاووس الريش المزيّن بالعيون. كما أن ريشة الطاووس تُستخدم في تيجان الإله "كريشنا" الذي يظهر في أغلب الأيقونات بتاج يحمل ريش طاووس، رمزاً للحب الإلهي والجمال. الطاووس أيضاً رمز للحماية، إذ يُعتقد أن ريشه يبعد العين الشريرة.
اليونان وروما
في الأساطير الإغريقية، ارتبط الطاووس بالإلهة "هيرا" (Juno عند الرومان). تقول الأسطورة إن هيرا وضعت عيون العملاق "آرغوس" ذي المئة عين على ذيل الطاووس بعد مقتله، تكريماً له. لذلك صار الطاووس رمزاً للرؤية الشاملة واليقظة، كما صار ريشه يرمز للفخر والجمال السماوي. الرومان استخدموا الطاووس في الفسيفساء واللوحات الجدارية تعبيراً عن البذخ والخلود.
فارس والإسلام
في الثقافة الفارسية، يُعرف الطاووس بـ "طاووس" وجمعه "طواويس"، ودخل الكلمة إلى العربية. في الفن الإسلامي، ظهر الطاووس في المنمنمات وزخارف المخطوطات، ويمثل أحياناً جمال الخلق الإلهي. كما ارتبط بالجنة في بعض التصورات الشعبية. يظهر الطاووس في شعر المتصوفة، كرمز للروح التي تتجلى بجمالها الخفي. وفي العمارة الإسلامية، نجد تماثيل الطواويس في بعض القصور والحدائق الأندلسية والمغولية.
المسيحية
في العصور المسيحية المبكرة، اعتُبر الطاووس رمزاً للقيامة والحياة الأبدية، بسبب تجدد ريشه سنوياً الذي كان يُظن أنه لا يبلى. كما شكّل رمزاً للمسيح الملك في الفن الكنسي. ريشة الطاووس بعيونها المتعددة رُمز بها لكنيسة ترى كل شيء. فيما بعد، تحول الطاووس في بعض التفسيرات الشعبية إلى رمز للغرور بسبب مشيته المتبخترة، وهنا يظهر ازدواج الرمزية بين جمال الروح وخطيئة الكبرياء.
الصين واليابان
في الشرق الأقصى، الطاووس رمز للجمال والكرامة والسلام. في الصين، يرتبط بالإلهة "كوان يين" رمز الرحمة، وقيل إن الريشة تمنح الحماية. اليابان اعتبرته طائر الحظ السعيد، واستخدم ريشه في تزيين الدروع والخوذ.
الرمزية الحديثة
في العصر الحديث، أصبح الطاووس رمزاً للفخر والاستعراض، وشعاراً لبعض العلامات التجارية التي ترمز للجودة والجمال. وفي علم النفس، يُستخدم "تأثير الطاووس" للإشارة إلى التباهي المفرط بالمظهر. كما يُعتبر الطاووس الهندي الطائر الوطني للهند، مما يعكس عمق الرمزية الثقافية المستمرة.
ملاحظة ذكية
رغم أن الطاووس يُضرب به المثل في الغرور والكبرياء، إلا أن نشره لذيله ليس استعراضاً فارغاً، بل هو استثمار طاقي ضخم وإشارة بيولوجية غاية في الصدق: فالذكر الذي يستطيع تحمل تكلفة هذا الريش الثقيل والمعرقل للحركة، وإبقائه نظيفاً وبراقاً، يثبت أنه يتمتع بصحة ممتازة وقدرة على النجاة رغم هذا "العبء الجميل".
ريش الطاووس في الفن والموضة
استُخدم ريش الطاووس الطبيعي منذ القدم في تزيين التيجان والمروح الملكية وأغطية الرأس. في أوروبا القرون الوسطى، ارتداه الفرسان على خوذاتهم. وفي العصر الفكتوري، شاع تزيين القبعات النسائية بريش الطاووس. ولا تزال ريشة الطاووس مصدر إلهام للمصممين حتى اليوم، حيث تظهر في التطريزات الراقية والأزياء المسرحية والديكور الداخلي بفضل ألوانها القزحية. في العمارة، استُعمل نموذج ذيل الطاووس المنتشر في تصميم النوافذ الوردية والمشربيات والنوافير، ومن أشهرها "نافورة الطواويس" في قصر الحمراء أو النوافير الشرقية التي تحاكي انفراج الريش.
التهديدات والمحافظة على الأنواع
الطاووس الهندي واسع الانتشار وغير مهدد إجمالاً، لكن الطاووس الأخضر يواجه خطر الاندثار بسبب تدمير الغابات الاستوائية والصيد الجائر للحصول على ريشه ولحمه. جمهراته تتناقص باطراد في أغلب دول جنوب شرق آسيا. طاووس الكونغو أكثر تهديداً، حيث أدى التعدين وقطع الأشجار والصيد العشوائي إلى تراجع أعداده في موطنه المحدود أصلاً. برامج الإكثار في الأسر والحدائق الحيوانية تحاول حماية النوعين، لكن حماية الغابات البكر تبقى الحل الأساسي. الوعي العالمي بجمال الطاووس قد يسهم في دعم جهود الحفاظ عليه.
معلومات طريفة ومثيرة
صوت الطاووس العالي المسمى "الصياح" يمكن سماعه لمسافة تزيد عن كيلومترين، وهو وسيلة اتصال وإنذار.
في بعض المعتقدات الهندية، كان يُعتقد أن لحم الطاووس لا يتعفن، مما زاد من رمزيته كطائر الخلود.
يمكن للطاووس أن يعيش حتى 20 سنة في الأسر، بينما في البرية متوسط العمر أقصر بكثير.
الريش الأبيض للطاووس ليس نتيجة للمهق، بل لتطفير جيني يوقف إنتاج الميلانين، ويورث بصفة متنحية.
في اليابان، يوجد معبد "كيوميزو-ديرا" في كيوتو يضم تماثيل وتصاوير كثيرة للطاووس كحارس مقدس.
أثناء هطول المطر، ينشر الطاووس ذيله أحياناً ليحمي جسده لكن المشهد يزيد من جماليته.
هل تعلم
أن الطاووس لا يولد بريشه الزاهي؟ فالذكور الصغيرة تشبه الإناث في لونها البني المخطط حتى عمر السنة والنصف تقريباً، ثم يبدأ الريش المبهر بالظهور تدريجياً، ولا يكتمل ذيل العرض الملكي إلا في السنة الثالثة من العمر.
خاتمة
يبقى الطاووس شاهدة حية على قدرة الطبيعة على إبداع الجمال الذي يتجاوز حدود الوظيفة البحتة، ليجمع بين الانتقاء الطبيعي والجنسي في تناغم بصري لا يُنسى. من غابات الهند وسهول جاوة إلى أعماق الكونغو، يحمل الطاووس معه ثراءً بيولوجياً وإرثاً إنسانياً يشهد له بالتميز. في كل مرة ينشر فيها الطاووس ذيله، يعيد إحياء دهشة الإنسان الأولى أمام تنوع الحياة، ويذكرنا أن حماية هذه الكائنات مسؤولية جمالية وأخلاقية معاً. فبقدر ما ألهمنا الطاووس شعراً وفناً وإيماناً، ينتظر منا أن نضمن له مكاناً في غد الكوكب.
أسئلة شائعة
ما هي أنواع الطاووس الرئيسية؟
هناك ثلاثة أنواع: الطاووس الهندي (الأكثر شيوعاً)، والطاووس الأخضر، وطاووس الكونغو النادر الذي يعيش في غابات إفريقيا.
هل يستطيع الطاووس الطيران؟
نعم، على الرغم من حجمه وذيله الطويل، يستطيع الطاووس الطيران لمسافات قصيرة والارتفاع بسرعة إلى أغصان الأشجار العالية للجثوم ليلاً والهرب من الخطر.
كم سنة يعيش الطاووس؟
في البرية، يتراوح متوسط العمر بين 10 و15 عاماً، بينما يمكن أن يعيش في الأسر حتى 20 عاماً أو أكثر إذا توفرت له الرعاية الجيدة.
لماذا ينشر الطاووس ذيله؟
ينشر الذكر ريش رديفه الطويل في عرض تزاوج مذهل لجذب الإناث، ويُعتبر حجم الذيل وتناسق العيون عليه مؤشراً على صحة الذكر وجودته الوراثية.
هل الطاووس الأبيض نوع منفصل؟
لا، الطاووس الأبيض هو طفرة لونية من الطاووس الهندي، ناتجة عن جين متنحٍ يوقف إنتاج الميلانين، لكنه ليس أمهق (عيناه زرقاوان وليستا حمراوين).


